عثمان بن جني ( ابن جني )
457
الخصائص
كاد اللّعاع من الحوذان يشحطها * ورجرج بين لحييها خناطيل " 1 " وأشباه هذا كثير . والقياس من بعد أنه متى ورد عليك لفظ أن تتناوله على ظاهره ، ولا تدّعى فيه قلبا ولا تحريفا ، إلا أن تضح سبيل ، أو يقتاد دليل . ومن طريف هذا الباب قولك في النسب إلى ( محيّا " : ( محوىّ ) وذلك أنك حذفت الألف ؛ لأنها خامسة ، فبقى محىّ كقصىّ ، فحذفت للإضافة ما حذفت من قصىّ ، وهي الياء الأولى التي هي عين ( محيّا ) الأولى ، فبقى ( محى ) فقلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها فصارت ( محا ) كهدى . فلمّا أضفت إليها قلبت الألف واوا ، فقلت ( محوىّ ) كقولك في هدى : هدوىّ . فمثال محوىّ في اللفظ ( مفعىّ ) واللام على ما تقدّم محذوفة . ثم إنك من بعد لو بنيت من ( ضرب ) - على قول من أجاز الحذف في الصحيح لضرب من الصنعة - مثل قولك ( محوىّ ) لقلت ( مضرىّ ) فحذفت الباء من ( ضرب ) كما حذفت لام ( محيّا ) . أفلا تراك كيف أحلت بالصنعة لفظ ( ضرب ) إلى لفظ ( مضر ) فصار ( مضرىّ ) كأنه منسوب إلى ( مضر ) . وكذلك لو بنيت مثل قولهم في النسب إلى تحيّة : ( تحوىّ ) من نزف أو نشف أو نحو ذلك لقلت : تنفىّ . وذلك أن ( تحيّة ) تفعلة ، وأصلها ( تحيية ) كالتسوية والتجزئة ، فلمّا نسبت إليها حذفت أشباه حرفيها بالزائد وهو العين ، أعنى الياء الأولى ، فكما تقول في ( عصيّة وقضيّة ) عصوىّ وقضوىّ ، قلت أيضا في تحيّة ( تحوىّ ) فوزن لفظ ( تحوىّ ) الآن ( تفلىّ ) ؛ فإذا أردت مثل ذلك من ( نزف ) و ( نشف ) قلت ( تنفى ) ومثالها ( تفلى ) ؛ إلا أنه مع هذا خرج إلى لفظ الإضافة إلى
--> ( 1 ) البيت من البسيط ، وهو لابن مقبل في ديوانه ص 387 ، ولسان العرب ( رجج ) ، ( سحط ) ، ( لعع ) ، والتنبيه والإيضاح 1 / 206 ، وجمهرة اللغة ص 157 ، 531 ، ومقاييس اللغة 2 / 385 ، والمخصص 10 / 187 ، وتاج العروس ( رجج ) ، ( حوذ ) ، ( سحط ) ، ( لعع ) ، ( خنطل ) ، وأمالي القالى 1 / 257 ، ولجران العواد في ديوانه ص 85 . الحوذان : نبت ، يشحطها : يذبحها . الرجرج : اللعاب . خناطيل : قطع متفرقة . يصف بقرة أكل السبع ولدها ، فهي تغص بما لا يغص به من اللعاع الأخضر حتى ليكاد يذبحها ، وهي تغص أيضا باللعاب الذي يتقطع خناطيل حزنا على ولدها .